ابن عربي

92

محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار

أحسّت بنار في ضلوعي فأصبحت * يحثّ بها نار الغرام ويوضع ومن وقائع بعض الفقراء ما حدثنا به عبد اللّه ابن الأستاذ المروزي رحمه اللّه قال : رأى بعض الفقراء ببجاية في الواقعة أبا حامد وجماعة من الصوفية يقولون للشيخ أبي مدين : أخبرنا عن شيء مما خصك به الحق من العلم ، فقال لهم : بالعلم الباقي أضاء سري ، وحسنت أخلاقي ، فعلم اللّه صفة ذاته ، فكل ما عرف منه سبحانه معروف ، والصفة لا تفارق الموصوف ، فما ثبت في الوجود منه فبإمداده ، وما فهموا عنه فبإرشاده ، فكل علم سواه بالإضافة إليه مذموم ، وإنما يشرف العلم بشرف المعلوم ، فانظر ما علمك وما ذا ؟ فمن هناك تجازى وتنادى ، فخير العلم ما وصلك إلى المعلوم ، وعند مشاهدة الحق تضمحل الرسوم ، ويتجلى إذ ذاك الحي القيوم ، فمن رقى عن المحسوسات نال الغيوب ، ومن قهقر عندها فهو محجوب ، فالعارف أبدا يرقى ، ودقائق الإشارات واللطائف يتلقّى ، ليس له التفات إلى ذيت وذيت ، ولا يقنع من البيت إلا برب البيت ، فهو أبدا في التنزيه والمشاهدة ، يرفع عن الأغيار والمكايدة ، ملاحظ ذلك الجمال الأبدي ، متلذذ بمشاهدة الملك العليّ . ثم قال الشيخ : مقامي مقام العبودية ، وعلومي العلوم الإلهية ، وصفاتي مستمدة من الصفات الربانية ، بها عمر فكري ، وهي غذاء لسرّي وجهري ، فعلمي باللّه متصل ، وعن كل من سواه منفصل ، اتصاله بحضرة قدسه ، ومسرحه في رياض أنسه ، فبالعلم باللّه وذاته وصفاته نلت الجاه ، ومعلومي هو اللّه ، عظمته ملأت حقيقتي وسرّي ، ونوره أضاء به برّي وبحري ، فمن أحياه فهو الحيّ ، ومن أماته عنه في ظلمة الغيّ إذ المقرب به عظيم ، ولا يسمو إلا من أتى اللّه بقلب سليم ، فالقلب السليم هو الذي سلم مما سواه ، ولا يكون في الوعاء إلا ما جعل فيه مولاه ، فقلب العارف يسرح في الملكوت بلا شكّ ولا ارتياب ، وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمرّ مرّ السحاب ، فالجبال بقدرته سيّرها ، وبصنعه الجميل أتقنها ، فكلامه العزيز لصدور أوليائه شفا ، وهو سبحانه لشدة ظهوره خفا . ومن محاسن المخاطبة ما قال عمارة بن حمزة لأبي العباس وقد أمر له بجوهر نفيس : وصلك اللّه يا أمير المؤمنين وبرّك ، فو اللّه لو أردنا شكرك على أنعامك ليقصرنّ شكرنا على نعمتك ، كما قصر اللّه بنا عن منزلتك .